ترجمات نبضتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

من مزاح المدرسة إلى موجة قومية جديدة: لماذا لا يمكن تجاهل تاريخ فاراج؟

ترجمة – نبض الشام

تسلّط الاتهامات القديمة الموجهة إلى نايجل فاراج الضوء على ماضيه المليء بالإهانات العنصرية ومعاداة السامية، والذي عاد إلى الواجهة في لحظة سياسية حسّاسة. وتكشف ردود فعله المراوغة عن أزمة أعمق تتجاوز شخصه لتصل إلى تحولات متطرفة داخل اليمين الأمريكي والبريطاني. ومع صعود خطاب المؤامرة وازدياد تأثيره، يبدو أن أحداث الماضي تكتسب اليوم دلالات أشد خطورة على مستقبل السياسة الغربية.

إنكار متقلّب يشعل الشكوك
كان بإمكان نايجل فاراج إغلاق ملف اتهامات معاداة السامية فور ظهوره، لكنه اختار نهجاً متذبذباً بين الإنكار والتراجع والإيحاء الملتبس. فقد قدّم أكثر من 20 زميلاً سابقاً شهادات تصف سلوكه في مراهقته داخل مدرسة دولويتش، حيث كان يوجّه إهانات عنصرية لليهود والأقليات، ويكرر عبارات مثل “هتلر كان على حق” ويغني “اقضوا عليهم بالغاز”. غير أن فاراج لم يقدم اعتذاراً صريحاً، الأمر الذي يثير تساؤلات حول شخصيته وهو يقترب، بحسب الاستطلاعات، من رئاسة الحكومة البريطانية.

أعمدة دفاع واهية
اعتمد دفاع فاراج على ثلاثة محاور رئيسية، جميعها ضعيفة. أولها اتهام الشهود بالكذب، وهو ما يشكل صورة نمطية معادية للسامية بحد ذاته. أما الدفاع الثاني فيركّز على صغره وقت وقوع الأحداث، رغم أن السلوك المزعوم امتد حتى سن 18. بينما يقوم دفاعه الثالث على الادعاء بأن أفعاله القديمة لا علاقة لها بمواقفه الحالية، وهو ما تتعارض معه تصريحات وسلوكيات لاحقة تُظهر تمسكه بخطاب يحمل مضامين معادية للسامية.

تصريحات تكشف ما وراء الخطاب
في مقابلة حديثة، أشار فاراج إلى أن ما قاله قبل 50 عامًا قد يُفسّر اليوم كمزاح في ساحة المدرسة. لكن تقليله من خطورة أغنيات تحرض على تغويز اليهود والسود والآسيويين يوضح أن المشكلة تتجاوز مرحلة المراهقة. كما تورّط فاراج مراراً في تعزيز صور نمطية معادية للسامية، بينها حديثه عام 2017 عن النفوذ اليهودي في السياسة الأمريكية بطريقة أثارت انتقاد الهيئة التمثيلية لليهود البريطانيين.

تاريخ طويل مع اللغة المشفّرة
بين عامي 2017 و2020، كرر فاراج خطاباً يعتمد على مفردات ترتبط بنظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة: من “العولميين” و”الماركسيين الثقافيين” إلى غولدمان ساكس وجورج سوروس. وقد حذّرت مؤسسة الأمن المجتمعي CST من استخدامه “لغة تستحضر شيفرات معادية للسامية”، مؤكدة أن البحث المستمر عن كباش فداء يدفع المجتمع نحو مزيد من الاستقطاب.

دوائر خطيرة وتحالفات مقلقة
جلس فاراج جنباً إلى جنب مع أليكس جونز، أحد أبرز مروّجي نظريات المؤامرة، وشارك معه في تكرار ادعاءات مثل “النظام العالمي الجديد” ومؤتمر بيلدربيرغ. كما ظهر مرارًا على منصات الواعظ الأمريكي ريك وايلز، الذي وصف تحقيقات ترامب لاحقًا بـ”الانقلاب اليهودي”. هذه العلاقات تضعه في صلب شبكة تتبنّى خطابًا معاديًا للسامية بصورة علنية.

تحوّل خطير في اليمين الأمريكي
على الرغم من أن التهديد العنيف المباشر لليهود في بريطانيا يأتي من الجماعات الجهادية، ترى مؤسسة CST خطراً بعيد المدى في التحولات الجارية داخل اليمين الأمريكي. إذ يبرز شخص مثل نيك فوينتس، المتفوق الأبيض والمنكر للهولوكوست، كوجه محتمل للجيل الجمهوري القادم. ويطرح هذا التيار نسخة جديدة من القومية المسيحية العدوانية التي تتخلى عن خطاب “القيم اليهودية-المسيحية” وتتبنى رؤية تعيد إحياء الشكوك القديمة بوجود مؤامرة يهودية لدفع أمريكا نحو الحروب.

انعكاسات تتجاوز حدود بريطانيا
وبالنظر إلى الثقل العالمي للسياسة الأمريكية، فإن هذا التحول يشكل تهديداً واسعاً لليهود حول العالم. وفي هذا السياق، يصبح ماضي فاراج أكثر ارتباطاً بحاضره السياسي، إذ يظهر أن خطابه المبكر لم يكن مجرد “مزاح مدرس”، بل مكوّناً من مكونات مسار سياسي أوسع يتقاطع مع الموجة اليمينية المتطرفة العابرة للحدود.

تكشف قضية فاراج أن الماضي ليس مجرد صفحة تُطوى مع الزمن، بل عاملاً حياً يعكس مسارات سياسية وفكرية تتشكل في الحاضر. وبينما تتوسع دائرة الخطاب المتطرف في الغرب، يصبح من الضروري النظر إلى التاريخ الشخصي للسياسيين باعتباره مؤشراً على مستقبل أكثر خطورة مما يبدو. فحين يعود خطاب الكراهية إلى الواجهة، فإن تجاهله ليس خياراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى